يواجه المغرب استنزافاً اقتصادياً متواصلاً جراء الهشاشة المناخية والمخاطر الجيوفيزيائية، حيث تُقدَّر الخسائر الناجمة عن الكوارث الطبيعية بنحو 7.8 مليار درهم على الأقل (780 مليون دولار) من الاقتصاد الوطني سنوياً. ووفقاً لتقييمات مرجعية صادرة عن البنك الدولي، فإن الأحداث الهيدرولوجية المتكررة (وخاصة الفيضانات الخاطفة الموسمية وفيضانات الأنهار) مسؤولة عما يقرب من 60 في المائة من إجمالي الخسائر المباشرة في رأس المال. ومع تقييم تعرض البنية التحتية بأكثر من 2700 مليار درهم عبر الممرات عالية المخاطر، تسابق المملكة الزمن لحماية أصول تعادل قرابة 84 ألف درهم للفرد الواحد من الصدمات البيئية المتصاعدة.
العبء المزدوج للفيضانات المفاجئة والهزات الزلزالية
تاريخياً، تأرجح مشهد الكوارث في المغرب بين نوبات هيدرولوجية مدمرة ونشاط زلزالي كارثي. فبين عامي 2000 و2013 وحدهما، أودت 13 حادثة فيضان كبرى بحياة 263 شخصاً وألحقت دماراً مباشراً تجاوزت قيمته 427 مليون دولار، وبلغت ذروتها في كارثة كلميم عام 2014، التي تسببت في خسائر قاربت 600 مليون دولار خلال أيام معدودة. وفي الوقت نفسه، فإن قرب الحواضر الشمالية مثل طنجة وفاس من الصدع التكتوني الفاصل بين الصفيحتين الإفريقية والأوراسية يفرض تهديداً زلزالياً مستمراً. وتؤكد السوابق التاريخية (بما في ذلك زلزال أكادير المأساوي عام 1960 الذي دمر مدينة ساحلية بأكملها، وزلزال الحسيمة عام 2004) الهشاشة القصوى للنسيج الحضري المكتظ بالسكان والذي شُيد قبل اعتماد قوانين البناء المقاوم للزلازل الحديثة.
التوسع العمراني السريع يفاقم التعرض الساحلي والداخلي للخطر
أدى تسارع الهجرة من الريف إلى المدن إلى تفاقم هذا التعرض للمخاطر؛ إذ شهدت حواضر كبرى مثل الدار البيضاء توسعاً متسارعاً على طول المناطق المحيطية وأحواض التصريف الطبيعية، مما دفع الكثافة السكنية نحو السهول الفيضية المنخفضة. وتشير النماذج البيئية إلى أنه بحلول نهاية العقد الحالي، ستعاني ما يصل إلى 42 في المائة من السواحل المغربية من حساسية متزايدة للتآكل البحري والعواصف المدية. ومع سيناريوهات مناخية تشير إلى ارتفاع درجات الحرارة الإقليمية بين درجتين وأربع درجات مئوية، وانخفاضات حادة في التساقطات الصيفية، وارتفاع متوقع في مستوى سطح البحر بمقدار 35 سنتيمتراً على طول مضيق جبل طارق بحلول نهاية القرن، أصبح التوزيع المكاني للأصول الصناعية يتطلب إعادة تقييم عاجلة.
اتساع الفوارق وتكلفة التقاعس عن العمل
تتقاطع التداعيات الاقتصادية الكلية للكوارث المتكررة مباشرة مع التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية. فالأسر ذات الدخل المحدود تتحمل عبئاً غير متناسب من الدمار المادي بينما تظل محرومة عملياً من آليات التعافي الرسمية؛ إذ لا يحصل سوى 5 في المائة من المواطنين ذوي الدخل المنخفض على قروض أو تمويل طارئ في أعقاب وقوع كارثة، مقارنة بـ 17 في المائة للأسر ذات الدخل الأعلى. علاوة على ذلك، لا تزال تغطية التأمين ضد المخاطر الكارثية للمقاولات الصغيرة والمتوسطة ضعيفة للغاية، مما ينقل العبء المالي النهائي مباشرة إلى ميزانية الدولة وخزائن الجماعات الترابية. وكما تم تحليله في تقرير أبرز المستجدات الاقتصادية لعام 2026 مؤخراً، يمكن للاستنزاف المالي غير المتوقع الناتج عن معالجة آثار الكوارث أن يقلص النفقات الرأسمالية العامة سريعاً، مستنزفاً مخصصات حيوية كانت موجهة لبرامج التحول الهيكلي والتحديث الصناعي.
بناء الصمود: من الإغاثة بعد الكارثة إلى التمويل الاستباقي
لوقف هذا النزيف المالي الذي يكلف مليارات الدراهم، تخلى صناع القرار المغاربة تدريجياً عن نهج الإغاثة التفاعلي والمجزأ لصالح إدارة متكاملة لمخاطر الكوارث. ويركز الإطار الوطني للصمود، الذي تم تطويره بالتنسيق مع المؤسسات المالية الدولية، على إعداد خرائط للمخاطر المتعددة عبر تتبع الفيضانات المفاجئة، وخطوط الصدوع الزلزالية، وأمواج التسونامي، وتآكل التربة بنمذجة دقيقة لنظم المعلومات الجغرافية. ومن خلال إطلاق أدوات التأمين السيادي ضد الكوارث، وتعزيز آليات السيولة البارامترية، وتطبيق ضوابط صارمة للتهيئة الحضرية المقاومة للمخاطر، تهدف المملكة إلى فصل النمو الاقتصادي عن الصدمات الطبيعية الكارثية وضمان استقرار التنمية على المدى الطويل.