لا يزال سوق بيع اللحوم بالتقسيط في المغرب يرزح تحت وطأة ضغوط تضخمية مستمرة، حتى مع فتح ممر لوجستي بحري ضخم لضخ الماشية من أمريكا الجنوبية إلى المملكة. فقد استورد المستوردون المحليون نحو 250 ألف رأس من الأبقار من البرازيل حتى الآن هذا العام، مستنفدين حصة الأسد من الحصة الاستيرادية السنوية للرباط والبالغة 300 ألف رأس. ومع ذلك، فإن هذا التدفق الأجنبي الكثيف لم ينعكس بانخفاض ملموس على جيوب الأسر المغربية التي تقصد محلات الجزارة في الأحياء الشعبية.

خط إمداد يمتد عبر المحيط الأطلسي

ويعود الاعتماد الكامل على الماشية البرازيلية إلى عقبة صحية مفاجئة أقرب جغرافياً؛ إذ علّقت السلطات البيطرية المغربية في وقت سابق من هذا العام استيراد الماشية من الموردين الأوروبيين التقليديين عقب تفشي مرض الجلد العقدي (nodular dermatosis)، وهو مرض فيروسي شديد العدوى يصيب الأبقار. ورغم أن هذا الحظر حمى القطيع الوطني من انتقال العدوى عبر الحدود، إلا أنه قطع خطوط الشحن البحري الحيوية قصيرة المدى القادمة من جنوب أوروبا.

ووفقاً لمحمد الجبلي، رئيس الفيدرالية المغربية للفاعلين في قطاع المواشي، لم يكن أمام المستوردين المحليين أي بديل هيكلي سوى التحول بالكامل نحو البرازيل. وتتكبد سفن شحن الماشية عبر المحيط الأطلسي تكاليف نقل بحري باهظة، ونفقات وقود مرتفعة، بالإضافة إلى متطلبات وتكاليف امتثال بيطري معقدة. ورغم احتمال توسيع الحصة الاستيرادية العام المقبل لضمان الحد الأدنى من الإمدادات، أشار الجبلي إلى أن تكاليف الشحن لمسافات طويلة قد خلقت عملياً أرضية سعرية مرتفعة لا يمكن للمستوردين تجاوزها.

الجزارون يواجهون ضغوط أسعار الجملة وتراجع الطلب

وفي محلات التجزئة المحلية، تتجاوز أسعار قطع لحم البقر الممتازة بانتظام حاجز 130 درهماً مغربياً (نحو 12 يورو) للكيلوغرام الواحد، وهو سقف باهظ بالنسبة للأسر المتوسطة التي تواجه غلاء المعيشة بوجه عام. كما تظل أسعار الجملة في المجازر البلدية مرتفعة بشكل مقلق، مما يترك الجزارين بهوامش ربح ضئيلة للغاية.

وأقر أحمد شهاب طه، رئيس النقابة العامة للجزارين، بأن واردات الأبقار البرازيلية جنبت البلاد على الأقل نقصاً حاداً كان من شأنه أن يدفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة. ومع ذلك، جاء هذا الاستقرار عند مستويات باهظة بالفعل. ومنذ الأعياد الدينية في منتصف العام، أبلغ الجزارون في جميع أنحاء المملكة عن تراجع ملحوظ في إقبال المشترين، حيث بات المستهلكون يشترون كميات محدودة للغاية أو يتجهون إلى لحوم الدواجن كبديل أرخص ثمناً لموازنة ميزانيات الأسر.

التشريح الموسمي لقفزات أسعار اللحوم

وتسلط أزمة الأسعار المستمرة الضوء على الحساسية المفرطة لقطاع اللحوم الحمراء في المغرب، حيث تتأثر أسواق الأغنام والأبقار بشكل متكرر بالظروف البيئية والتقويم الثقافي. ويتطلب فهم أسباب ارتفاع تكاليف الماشية دراسة المحطات والضغوط الموسمية الحاسمة:

  • عيد الأضحى: يمثل الذروة السنوية لأسعار الأغنام والماعز؛ فنظراً لإقدام ملايين الأسر على شراء أضحية حية في وقت متزامن خلال فترة وجيزة لا تتعدى أسبوعين، يعمد المضاربون والوسطاء الإقليميون إلى رفع الأسعار بشكل حاد. وفي سنوات الجفاف، تحوّل قلة العرض هذه الشعيرة الدينية إلى عبء اقتصادي ثقيل.
  • شهر رمضان: تؤدي وجبات الإفطار اليومية والتجمعات العائلية إلى دورة استهلاك مكثفة للأطباق التقليدية مثل الطواجن والشوربات كالـharira، مما يخلق صدمة طلب سنوية متوقعة على اللحوم الطازجة من البقر والضأن.
  • موسم الأعراس والمهرجانات الصيفية: تتضاعف الاحتفالات في المدن والأرياف بين شهري يوليو وأواخر أغسطس. ويؤدي الطلب المرتفع على خدمات تقديم الطعام للحفلات إلى استنزاف مخزونات المجازر بانتظام، مما يحافظ على ارتفاع أسعار لحوم الأغنام والأبقار بعد احتفالات منتصف العام مباشرة.
  • دورات الجفاف المناخي: تؤدي موجات الجفاف المتكررة في شمال إفريقيا إلى تدهور حاد في المراعي الطبيعية. وعندما تجف المراعي، يضطر مربو الماشية إلى شراء أعلاف باهظة الثمن كالشعير المدعوم والأعلاف المستوردة أو التخلص من إناث التكاثر بالبيع، وهي ديناميكية هيكلية تؤدي حتماً إلى نقص حاد في الإمدادات وارتفاع الأسعار في السنوات اللاحقة.

عقبات هيكلية تلوح في الأفق

وبينما تدرس السلطات الحكومية توسيع حصص استيراد الماشية للعام المقبل، يؤكد مهنيو القطاع أن الاستيراد يظل حلاً مؤقتاً لا علاجاً جذرياً. وسيكون إعادة بناء القطيع الوطني، وتخفيف العبء المالي للأعلاف على مربي الماشية، والتعامل مع الاختناقات الجيوسياسية والمناخية، أموراً حاسمة إذا أراد المغرب فك ارتباط إمداداته الأساسية من اللحوم الحمراء بتقلبات سلاسل الإمداد العالمية.