في خطوة قد تعيد رسم ملامح الجغرافيا السياسية الحديثة بشكل جوهري، أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن واشنطن تجري محادثات نشطة مع موسكو وبكين بهدف نزع السلاح النووي في نهاية المطاف من أقوى الدول النووية في العالم.

ويُمثل هذا الكشف، الذي جاء خلال مقابلة حديثة مع شبكة "نيوزماكس"، تحولاً استراتيجياً حاداً نحو الحد من الأسلحة على المستوى الثلاثي. كما يأتي في منعطف تاريخي حاسم، بعد أشهر قليلة فقط من انتهاء سريان معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (ستارت الجديدة) في أوائل عام 2026 دون بديل رسمي لها.

كسر الصمت الدبلوماسي

وفي حديثه عن واقع الترسانات العالمية، أعرب ترامب عن رغبة قوية في تهدئة سباق التسلح الحديث. وصرح ترامب قائلاً: "الأمر برمته مؤسف، لأنني أود نزع السلاح النووي إذا كان ذلك ممكناً". وأوضح كذلك أن هناك حوارات نشطة جارية، مؤكداً: "نحن نتحدث بالفعل مع روسيا حول ذلك، ونتحدث مع الصين حول نزع السلاح النووي هذا".

وتشير التقارير إلى أن هذه الجهود تشمل اتصالات مباشرة بين ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ. فعلى مدى عقود، عملت الأطر النووية الدولية بشكل أساسي وفق محور ثنائي بين الولايات المتحدة وروسيا. ومن خلال إشراك الصين رسمياً في صميم هذه المفاوضات الأمنية، تعالج الإدارة الحالية فجوة طويلة الأمد في سياسة الدفاع الدولية.

تغير ميزان القوى العالمي

وفقاً للبيانات التي جمعها معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، تمتلك روسيا حالياً أكبر مخزون إجمالي من الرؤوس الحربية النووية المخزنة في العالم، تليها الولايات المتحدة عن كثب، بينما تحتفظ الصين بثالث أكبر ترسانة. ومع ذلك، فإن ديناميكيات النشر تقدم صورة أكثر دقة؛ إذ تتفوق الولايات المتحدة حالياً على روسيا في العدد الفعلي للرؤوس الحربية النشطة والمنشورة.

ويعد التطور السريع للبنية التحتية العسكرية في بكين دافعاً رئيسياً وراء إلحاح واشنطن المتجدد. وخلال تصريحاته، توقع ترامب أن الصين تسير في مسار متسارع "للحاق" بالقدرات النووية الأمريكية خلال السنوات الخمس المقبلة. وقد أقنع هذا التحديث السريع صانعي السياسات بأن أي إطار مستقبلي للحد من الأسلحة سيكون عديماً للجدوى ما لم يُلزم بكين بنفس القيود القانونية المفروضة على واشنطن وموسكو.

ما بعد معاهدة ستارت الجديدة

أدى انتهاء سريان معاهدة ستارت الجديدة في وقت سابق من هذا العام إلى إزالة آخر الضوابط التنظيمية المتبقية على البرامج النووية الرئيسية في العالم. وُقعت المعاهدة في الأصل عام 2010 من قبل الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما والرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف، وفرضت قيوداً صارمة على الرؤوس الحربية الاستراتيجية المنشورة وأرست عمليات تفتيش وتحقق ميدانية دقيقة.

ورغم الاتفاق المتبادل على تمديدها لخمس سنوات في عام 2021، إلا أن انتهائها ترك فراغاً قانونياً خطيراً. ونظراً لعدم التوصل إلى تجديد رسمي، فإن أي استمرار لهذه القيود الأمنية يعتمد الآن كلياً على قرارات تنفيذية طوعية من قادة الدول المعنية، بدلاً من القانون الدولي المنظم.

عقبات أمام إطار عمل ثلاثي

في حين تثير الأهداف المعلنة للإدارة موجة من التفاؤل الدبلوماسي، يدعو المحللون الجيوسياسيون إلى توخي الحذر؛ إذ يواجه التوصل إلى اتفاق ثلاثي عقبات واضحة:

  • عدم تماثل الترسانات: قاومت الصين تاريخياً الانضمام إلى معاهدات الأسلحة الغربية، بحجة أن مخزونها دفاعي بحت وأصغر بكثير من الترسانات الضخمة التي تحتفظ بها الولايات المتحدة وروسيا منذ حقبة الحرب الباردة.
  • الاحتكاك الجيوسياسي: تبث النزاعات التجارية المستمرة والتنافس التكنولوجي والمخاوف الأمنية الإقليمية في أوروبا الشرقية ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ انعدام ثقة عميقاً في قاعة المفاوضات.
  • بروتوكولات التحقق: سيتطلب إنشاء نظام تفتيش جديد وشفاف يلبي المتطلبات الأمنية لواشنطن وموسكو وبكين في آنٍ واحد سنوات من التنسيق والضبط البيروقراطي والعسكري المعقد.

رؤية لخفض التصعيد العسكري والاقتصادي

وإلى جانب الحد من التهديدات الأمنية المباشرة، وصفت الإدارة محادثات نزع السلاح النووي هذه بأنها مسار نحو تخفيف الأعباء المالية المتبادلة؛ إذ إن العبء المالي المترتب على صيانة وتحديث وتأمين آلاف الرؤوس الحربية النووية القديمة يُكلف القوى العظمى مئات المليارات من الدولارات سنوياً.

ومن خلال توجيه المحادثات نحو خفض مدروس للمخزونات، تأمل واشنطن في إحباط الحافز للإنتاج المستمر لأنظمة أسلحة الجيل القادم. وإذا كُتب لهذا الحوار الثلاثي النجاح، فقد ينقل التركيز العالمي بعيداً عن التموضع العسكري الوجودي نحو الاستقرار الاقتصادي الكلي على المدى الطويل.