تتلاشى الحدود بين الذكاء البشري والتكنولوجيا الرقمية بهدوء. لسنوات عديدة، كانت فكرة زرع شريحة حاسوبية داخل دماغ بشري مقتصرة على صفحات الروايات الديستوبية وأفلام الخيال العلمي. أما اليوم، فقد أصبحت واقعاً سريرياً. تمضي شركة التكنولوجيا العصبية التابعة لإيلون ماسك، نيورالينك (Neuralink)، بخطى متسارعة متجاوزةً الاختبارات الحيوانية المبكرة وتوسع تجاربها البشرية عالمياً.

تبدو المهمة الأساسية بسيطة لكنها تنطوي على أبعاد هائلة: ربط العقول البشرية مباشرة بأجهزة الكمبيوتر لعلاج الحالات العصبية، واستعادة الحواس المفقودة، وتغيير طريقة تواصلنا في نهاية المطاف.

ما هي شريحة نيورالينك تحديداً؟

الجهاز، الذي يحمل رسمياً اسم شريحة N1 المزروعة، عبارة عن قرص بحجم عملة معدنية مليء بالإلكترونيات المتقدمة. وبدلاً من استخدام الإبر الضخمة أو الأسلاك السميكة، تعتمد الشريحة على 1,024 خيطاً مجهرياً فائق المرونة. هذه الخيوط أرفع من شعرة الإنسان ويتم نسجها بدقة مباشرة في القشرة المخية—الطبقة الخارجية من الدماغ المسؤولة عن معالجة الحركات والنوايا.

ولأن الأيدي البشرية تفتقر للدقة الكافية للتعامل مع مثل هذه المكونات الحساسة، تستخدم نيورالينك روبوتاً جراحياً مخصصاً. يعمل هذا الروبوت كآلة خياطة عالية السرعة، حيث يُدخل الخيوط بدقة متناهية في الدماغ مع تجنب الأوعية الدموية الرئيسية لتقليل خطر النزيف.

وفي إنجازات جراحية حديثة، أصبح الإجراء أقل توغلاً. يمكن للجراحين الآن توجيه الخيوط مباشرة عبر الأم الجافية (الغشاء الخارجي الواقي للدماغ) دون الحاجة لشقها وفتحها. يقلل هذا التعديل بشكل كبير من فترات التعافي، مما يسمح لمرضى التجارب الأولية بمغادرة المستشفى في أقل من 24 ساعة دون الحاجة إلى مسكنات ألم قوية.

مرضى حقيقيون ونتائج حقيقية: صعود تقنية "تيليباثي"

سُمّي أول منتج استهلاكي لشركة نيورالينك بشكل ملائم باسم تيليباثي (Telepathy). والهدف منه هو إعادة الاستقلالية الرقمية للأفراد المصابين بالشلل الحاد، مثل الشلل الرباعي أو التصلب الجانبي الضموري (ALS).

تقدم النتائج الواقعية للمجموعة المتزايدة من المشاركين في التجارب النشطة عبر الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة لمحة عن إمكانات هذا الجهاز:

  • التحكم عبر الأفكار: يستخدم المرضى المصابون بالشلل الشريحة بنشاط للتنقل عبر الحواسيب المحمولة، وإرسال الرسائل النصية، وتصفح الإنترنت، والتحكم في أجهزة المنزل الذكي بمجرد تخيل الحركة الجسدية لأيديهم.
  • تجاوز القيود الجسدية: استخدم أحد المرضى الأوائل، نولاند أربو، شريحته المزروعة للعب ألعاب الفيديو التنافسية عبر الإنترنت وتصفح وسائل التواصل الاجتماعي بالكامل دون استخدام اليدين. وحتى عندما انزاحت بعض الخيوط الأولية من مكانها، نجحت التحديثات البرمجية اللاسلكية في إعادة معايرة النظام لاستعادة تحكمه في المؤشر بل وتحسينه.
  • معايرة سريعة: تمكن المشارك الكندي الأخير في التجربة، لي مارتن، وهو ضابط شرطة يحارب مرض التصلب الجانبي الضموري، من التحكم في مؤشر الكمبيوتر عبر البلوتوث في غضون ساعة واحدة فقط من استيقاظه من الجراحة.

ما ينتظرنا في المستقبل: استعادة البصر والإنتاج واسع النطاق

1. بلايندسايت (Blindsight): علاج العمى من جذوره

تعمل نيورالينك على تطوير خط أجهزة رئيسي ثانٍ يُدعى بلايندسايت، والذي حصل مؤخراً على تصنيف "جهاز مبتكر" من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA). في حين يقرأ جهاز تيليباثي إشارات الدماغ للتحكم في الكمبيوتر، يعمل بلايندسايت بشكل عكسي: فهو يأخذ البيانات المرئية من كاميرا رقمية خارجية ويكتب تلك المعلومات مباشرة في القشرة البصرية للدماغ. ومن خلال تجاوز الأعين المتضررة أو الأعصاب البصرية تماماً، يمتلك هذا النهج القدرة على إعادة الإدراك البصري حتى للأفراد الذين ولدوا مكفوفين. ستتميز الأجيال الأولى برؤية منخفضة الدقة تشبه الشبكة، لكن العتاد مصمم للتطور نحو وضوح أعلى بمرور الوقت.

2. توسيع نطاق التكنولوجيا والإنتاج

حتى وقت قريب، كانت واجهات الدماغ والحاسوب (BCIs) مجرد تجارب أكاديمية محدودة. تعمل الشركة بنشاط على بناء خطوط إنتاج مؤتمتة للغاية ومراكز طبية متخصصة لتوسيع نطاق التصنيع وتبسيط العمليات الجراحية. والهدف هو تحويل هذا من إجراء طبي تجريبي إلى خيار علاجي واسع النطاق وقابل للتطبيق على نطاق هائل.