تواجه أجزاء واسعة من العاصمة الأوكرانية، كييف، انقطاعات طارئة للتيار الكهربائي واضطرابات في إمدادات المياه بعد موجة هائلة من هجمات الطائرات المسيرة الروسية التي استهدفت بنية تحتية حيوية. بالتزامن مع ذلك، أسفرت ضربات بطائرات مسيرة استهدفت مدينة خاركيف الشرقية عن مقتل بائعين مدنيين في أحد الأسواق وقطع الكهرباء عن مئات الآلاف من السكان.

يؤكد هذا الهجوم الجوي المنسق استراتيجية موسكو الممنهجة لتفكيك شبكة الطاقة الأوكرانية مع بدء انخفاض درجات الحرارة الموسمية. وعلى الرغم من التصريحات الدولية رفيعة المستوى مؤخراً حول إمكانية خفض التصعيد الدبلوماسي بشأن منشآت الطاقة، فإن حجم هذه الضربات يشير إلى تصعيد صارم على أرض الواقع.

كييف تغرق في الظلام

أكدت شركة تشغيل الطاقة الحكومية، "أوكرينيرغو"، تفعيل انقطاعات طارئة واسعة النطاق للتيار الكهربائي في العاصمة والمناطق المحيطة بها لتجنب انهيار كامل للشبكة. واستهدفت موجات الطائرات المسيرة عُقد توزيع الكهرباء الحيوية، مما تسبب في أضرار ثانوية بالبنية التحتية. وأفاد عمدة كييف، فيتالي كليتشكو، بأن الانقطاع المفاجئ للكهرباء أدى إلى تعطل محطات الضخ المحلية، مما تسبب في انخفاض حاد بضغط المياه في عدة أحياء حضرية. وبدأت فرق الطوارئ فوراً بنقل مرافق المياه للعمل على المولدات الاحتياطية، لكن استعادة الخدمة بالكامل لا تزال متعثرة بسبب استمرار صفارات الإنذار من الغارات الجوية.

كما تسبب حطام الطائرات المسيرة المتساقط في اندلاع حرائق موضعية في أحياء سكنية، بما في ذلك منطقة شيفتشينكيفسكي بالعاصمة، مما زاد من الضغط على خدمات الطوارئ البلدية.

ضحايا في سوق بمدينة خاركيف

في خاركيف، ثاني أكبر مدن أوكرانيا، طالت الآثار المدنيين بشكل مباشر. إذ ضربت طائرات مسيرة روسية سوقاً محلية مكتظة عبر أربع مناطق مختلفة. وأكد حاكم المنطقة أوليه سينيغوبوف والعمدة إيهور تيريخوف مقتل بائعين—امرأة تبلغ من العمر 71 عاماً ورجل يبلغ 58 عاماً—على الفور أثناء عملهما في متجريهما. كما أصيب ما لا يقل عن 19 آخرين، ولا يزال العديد منهم في حالة حرجة بالمستشفيات المحلية.

وبالإضافة إلى الخسائر البشرية، ألحقت الهجمات أضراراً بالغة بمحطات التحويل الفرعية المحلية. وتم فصل ما يقرب من 280,000 مشترك بالكهرباء في خاركيف عن الشبكة على الفور، مما فاقم أزمة المرافق العامة المضطربة بالفعل في هذه المنطقة القريبة من خط المواجهة.

العواقب الفورية وطويلة المدى

تتجاوز تداعيات هذا القصف الأخير مجرد الظلام المؤقت، لتلقي بظلالها على المشهدين الإنساني والجيوسياسي:

  • استغلال الشتاء كسلاح: يُعد هذا الهجوم استمراراً هجومياً لما يصفه المحللون العسكريون بهجوم الشتاء الخامس لروسيا. فمن خلال الاستهداف المستمر للمحطات الحرارية والمحطات الفرعية ومنشآت الغاز، تهدف موسكو إلى كسر معنويات المدنيين عبر حرمان الملايين من التدفئة والمياه والكهرباء في ظل درجات حرارة متجمدة.
  • إجهاد هيكلي للشبكة: على الرغم من نجاح طواقم "أوكرينيرغو" في إعادة التوصيل المؤقت لأكثر من مليون مستهلك في جميع أنحاء البلاد خلال الـ 24 ساعة الماضية، فإن السلامة الهيكلية للشبكة تعرضت لضرر بالغ. وفي المرحلة المقبلة، ستواجه القطاعات الصناعية والمناطق السكنية قيوداً صارمة على الاستهلاك بالساعة وانقطاعات دورية إلزامية للتيار الكهربائي لمنع الانهيار الكامل للشبكة.
  • التداعيات السياسية على "هدنة الطاقة": من الناحية الجيوسياسية، يحمل توقيت هذه الهجمات أهمية كبرى؛ إذ وقعت الضربات مباشرة بعد تقارير دولية عن وساطة غير معلنة لتحقيق "هدنة طاقة". وقد ندد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشدة بالهجمات واعتبرها استخفافاً متعمداً بمبادرات السلام الدولية، مشيراً إلى أن أوكرانيا التزمت بتعهداتها بينما استغلت روسيا هذه المهلة للتحضير لضربات أكثر عنفاً.

وبينما تعمل فرق الطوارئ على مدار الساعة تحت تهديد دائم لضربات تالية، يستعد السكان في كييف وخاركيف لفترة طويلة من عدم الاستقرار في الخدمات الأساسية. وتظل الأولوية العاجلة تأمين طاقة بديلة للمستشفيات ومراكز التدفئة قبل حلول ذروة فصل الشتاء.