يُهدر طبق واحد تقريباً من كل خمسة أطباق طعام تُعد حول العالم، وهو ما يعادل التخلص من أكثر من مليار طن من المواد الغذائية الصالحة للاستهلاك سنوياً. في الوقت نفسه، تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن 645 مليون شخص — أي قرابة 8 بالمئة من البشرية — يعانون من نقص التغذية المزمن. ورغم تراجع أرقام الجوع عالمياً بشكل طفيف عن ذروتها التي بلغت 8.6 بالمئة بعد الجائحة في عام 2022، فإن التفاوت بين إنتاج الغذاء والعدالة في توزيع السعرات الحرارية يظل واحداً من أبرز إخفاقات الاقتصاد الحديث.
أزمة الجوع في إفريقيا والتسرب الهيكلي في سلاسل الإمداد
لا تزال الجغرافيا الخاصة بسوء التغذية غير متوازنة إلى حد كبير؛ إذ تتحمل إفريقيا العبء الأكبر، حيث تضم قرابة 309 ملايين شخص يعانون من نقص التغذية — أي ما يقرب من نصف الإجمالي العالمي. وفي دول مثل الصومال وتشاد وجمهورية الكونغو الديمقراطية، أدت الصدمات الناجمة عن تغير المناخ، والنزاعات، والتقلبات الاقتصادية إلى دفع مؤشرات الجوع إلى مستويات مثيرة للقلق.
ومع ذلك، فإن ندرة الغذاء لا تعود إلى عجز الأرض عن الإنتاج الكافي، بل إن التسرب الهيكلي يقوض الأمن الغذائي قبل وصول الطعام إلى موائد الطعام بفترة طويلة. ووفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، فإن نحو 13 بالمئة من إجمالي الأغذية المحصودة يفسد قبل وصوله إلى الأسواق، ويرجع ذلك أساساً إلى قصور التبريد، وسوء طرق النقل الريفية، والتخزين غير الفعال. وتتسبب هذه الخسائر التي تسبق مرحلة البيع بالتجزئة وحدها في استنزاف ما يقارب 400 مليار دولار من الاقتصاد العالمي سنوياً، وتصيب الفواكه والخضروات ومنتجات الألبان سريعة التلف بأشد الأضرار.
جانب المستهلك: لماذا تشهد المناخات الأكثر دفئاً خسائر أكبر؟
بمجرد وصول السلع إلى المراكز الحضرية، يتحول مركز الهدر بشكل حاسم نحو المستخدمين النهائيين. وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) إلى أن الأسر المعيشية تتسبب في نحو 60 بالمئة من هدر الغذاء على مستوى المستهلكين، بينما تساهم خدمات تقديم الطعام بنسبة 28 بالمئة ومحلات السوبرماركت بنسبة 12 بالمئة المتبقية. وعلى الصعيد العالمي، يهدر الفرد في المتوسط نحو 79 كيلوغراماً من الطعام في المنزل سنوياً.
وترتفع أرقام الهدر للفرد بشكل ملحوظ في المناطق الأكثر حرارة حيث تعاني سلاسل التبريد اللوجستية من ثغرات وتهيمن المكونات الطازجة غير المعبأة على التجارة اليومية. وتسجل دول مثل المالديف وسوريا وتونس أحجام هدر منزلي تتجاوز 200 كيلوغرام لكل ساكن سنوياً، في حين تسجل دول تمتلك بنية تحتية قوية للتوزيع المبرد ومعايير تعبئة صارمة، مثل إسبانيا، خسائر منزلية تقل عن 40 كيلوغراماً للشخص الواحد.
المغرب: التكلفة الخفية لهدر الغذاء وسط جفاف تاريخي
في شمال إفريقيا، يمثل المغرب نموذجاً للاحتكاك البيئي والاقتصادي الحاد الناجم عن هدر الغذاء المنزلي. ووفقاً لبيانات مؤشر هدر الأغذية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، تهدر الأسر المغربية ما يقرب من 113 كيلوغراماً من الغذاء للفرد سنوياً. وعلى مستوى المملكة بأكملها، تؤدي هذه العادة المنزلية إلى إلقاء ما يُقدر بـ 4.2 مليون طن من الغذاء سنوياً.
ولا يمثل هذا الحجم مجرد تغذية مفقودة، بل تبديداً مقلقاً للموارد الوطنية المستنزفة. يواجه المغرب عامه السادس على التوالي من الجفاف الشديد، الذي أدى إلى استنزاف السدود الاستراتيجية مثل سد المسيرة إلى أدنى مستوياتها القياسية، وفرض تخفيضات حادة على مياه الري للمزارعين المحليين. وفي جوهره، يعادل التخلص من الطعام في المغرب إهدار المياه الجوفية الشحيحة والمدعومة دون طائل.
وتفاقم الديناميكيات الاجتماعية والثقافية هذه القضية؛ حيث تُظهر الاستطلاعات الزراعية التي أجرتها هيئات بحثية مغربية أن التخلص من الأغذية يرتفع بشكل كبير خلال المناسبات والأعياد، لا سيما شهر رمضان المبارك، حين تزيد مشتريات الأسر من الطعام بنسبة تقارب 50 بالمئة، وينتهي المطاف بنحو ثلث الأطباق المُعدة — ويشمل ذلك الخبز المدعوم (الخبز)، والمعجنات، وطواجن الخضار — في المكبات البلدية.
الأثر البيئي والحلول الجذرية
بعيداً عن المعضلات الأخلاقية والمالية، فإن الخسائر الأوسع نطاقاً على النظم البيئية لكوكب الأرض هائلة؛ حيث يولد فقد الأغذية وهدرها ما بين 8 و10 بالمئة من إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة التي يسببها الإنسان، وتكون غالبيتها في صورة غاز الميثان القوي المنبعث من تحلل النفايات في المكبات. فضلاً عن ذلك، فإن إنتاج أغذية لا تؤكل مطلقاً يستهلك 1.4 مليار هكتار من الأراضي الزراعية — وهي مساحة تفوق مساحة كندا.
وتتطلب معالجة هذه الأزمة إعادة ضبط منهجية وعملية بالتوازي مع تغيير العادات المنزلية:
- تحديث سلاسل التبريد اللوجستية: توجيه الاستثمارات العامة والخاصة نحو مراكز تبريد لامركزية تعمل بالطاقة الشمسية في المناطق الزراعية الريفية يحد من تلف ما بعد الحصاد في أعلى مستوياته.
- توضيح ملصقات تواريخ الصلاحية: يسهم التمييز التنظيمي الواضح بين تواريخ الأمان الصارمة "يُستخدم بحلول" ومؤشرات الجودة التجارية "يُفضل استهلاكه قبل" في منع التخلص العشوائي وغير الضروري من الغذاء من قِبل تجار التجزئة والمتسوقين على حد سواء.
- فصل المظاهر الثقافية عن الهدر: يمكن لمبادرات التوعية المجتمعية، الموجهة خصوصاً لقطاع الضيافة والأسر الحضرية خلال المناسبات ذات الاستهلاك المرتفع، إعادة توجيه الفائض الصالح للأكل عبر بنوك الطعام الرسمية وشبكات إعادة التوزيع.
- تحويل النفايات العضوية في البلديات: يساعد تطبيق استراتيجيات التحويل إلى سماد عضوي إقليمياً في إبعاد النفايات العضوية الحتمية عن المكبات البلدية، مما يقلل من انبعاثات الميثان ويوفر مخصبات غنية بالمغذيات للأراضي الزراعية المنهكة.