يتغير الحديث حول التكنولوجيا في المغرب بوتيرة متسارعة. وأثناء التجول في شوارع الدار البيضاء النابضة بالحياة، أو المراكز التكنولوجية الصاخبة في طنجة، أو المنظومة الريادية المتنامية في مراكش، يمكن للمرء أن يلمس تحولاً حقيقياً. لم نعد مجرد مستهلكين لاتجاهات التكنولوجيا العالمية؛ بل أصبحنا ندخل ميدان المنافسة.

ولكن أين يقف المغرب تحديداً اليوم في مجالات التكنولوجيا، والرقمنة، والذكاء الاصطناعي؟ والأهم من ذلك، كيف نعد مواطنينا لضمان أن تصبح الأتمتة والذكاء الاصطناعي أداتين لتقدمنا الجماعي بدلاً من أن تكونا قوى معطلة تترك الناس خلف الركب؟

ولتحقيق القفزة التالية إلى الأمام، يتعين علينا أن ننظر بنزاهة إلى نقاط قوتنا الحالية ونسد الثغرات التي تعيق تقدمنا.

المشهد الحالي: قصة أهداف طموحة ومفارقات تكنولوجية

على الورق، تبدو الطموحات الرقمية للمغرب مذهلة. مدفوعة بـ استراتيجية المغرب الرقمي 2030 البارزة، رسمت الحكومة مساراً جريئاً. فنحن نستثمر مليارات الدراهم لرقمنة الخدمات العامة، وتوسيع شبكات الألياف البصرية فائقة السرعة، وترسيخ مكانة المملكة كمركز تكنولوجي رائد في شمال إفريقيا. وتنشئ كبرى شركات التكنولوجيا العالمية مراكز أبحاث هنا، ونحن نتعاون بنشاط مع أسماء رائدة لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي متخصصة ومصممة للغة العربية والدارجة المغربية.

ومع ذلك، تكشف نظرة فاحصة على اقتصادنا عن مفارقة فريدة. فقد سلط تقرير حديث للبنك الدولي الضوء على أنه في حين ينجح المغرب في تصدير خدمات التكنولوجيا المتقدمة والمكونات عالية التقنية، فإن الاندماج والتبني المحلي يظلان منخفضين بشكل صادم. إذ تستخدم أكثر من 98% من المقاولات المغربية أدوات رقمية أساسية، بينما تعتمد أقل من 5% منها فقط على البيانات الضخمة أو الذكاء الاصطناعي المتقدم في عملياتها اليومية.

لدينا منظومة تكنولوجية تسير بسرعتين مختلفتين. فهناك نخبة تكنولوجية متطورة للغاية وموجهة نحو التصدير، جنباً إلى جنب مع قطاع أعمال تقليدي—تهيمن عليه المقاولات الصغرى والمتوسطة—ما زال يعتمد على الأنظمة القديمة والورق والقلم. وللدفع بالأمة بأكملها إلى الأمام، يجب أن تنتقل التكنولوجيا من المناطق المتخصصة إلى كل فصل دراسي، ومكتب، ومزرعة في جميع أنحاء البلاد.

سد الفجوة: ماذا نحتاج للارتقاء إلى المستوى التالي؟

إن الانتقال إلى اقتصاد مؤتمت ومعتمد على الذكاء الاصطناعي يتطلب ما هو أكثر من مجرد شراء البرمجيات؛ إنه يتطلب تحديثاً منهجياً لبنيتنا التحتية المجتمعية. وإذا أردنا أن تعمل الأتمتة لصالحنا، فيجب أن نركز على أربع ركائز أساسية.

1. إزالة الغموض عن التكنولوجيا وإعادة تأهيل القوى العاملة

إن أكبر عقبة أمام التحول الرقمي ليست المال، بل العقلية والتعليم. لا يمكننا بناء مستقبل عالي التقنية إذا كانت قوتنا العاملة تشعر بالرهبة تجاهه.

  • في الفصول الدراسية: نحتاج إلى تحديث المناهج المدرسية. يجب تدريس البرمجة، ومحو الأمية الرقمية، والمنطق كمهارات أساسية إلى جانب الرياضيات والقراءة.
  • للقوى العاملة الحالية: يجب أن نطبق برامج وطنية لصقل المهارات. فالتاجر في سوق تقليدي أو عامل الخدمات اللوجستية في المستودع لا يحتاج إلى شهادة في علم البيانات، بل يحتاج ببساطة إلى تدريب عملي وميسر حول كيفية استخدام المنصات الرقمية لتتبع المخزون، وتسويق المنتجات، وإدارة الشؤون المالية.

2. ترقية البنية التحتية للقضاء على عدم المساواة

يتطلب الذكاء الاصطناعي والأتمتة كميات هائلة من البيانات واتصالاً موثوقاً بشبكة الإنترنت. وبينما تتمتع المدن الكبرى بشبكات الجيل الرابع (4G) عالية السرعة وربط متزايد بالألياف البصرية، لا يمكن ترك مجتمعاتنا القروية في عزلة رقمية. إن ردم الهوة الرقمية يعني ضمان حصول طفل في قرية نائية بالأطلس الكبير على نفس الوصول المستقر إلى الإنترنت مثل طالب في الرباط. وبدون بنية تحتية عادلة، تخاطر التكنولوجيا بتوسيع الفجوة بين الطبقات الاجتماعية بدلاً من تضييقها.

3. إرساء إطار قانوني حديث وموثوق

لكي يتبنى المواطنون والمقاولات الذكاء الاصطناعي بشكل كامل، يجب أن يثقوا به. ويعمل المغرب حالياً على صياغة قوانين رقمية شاملة، بما في ذلك مقترح القانون الإطار الرقمي X.0، والمصمم لمعالجة الأمن السيبراني، وحماية البيانات الشخصية، والنشر الأخلاقي للذكاء الاصطناعي. تمنح القواعد الواضحة المقاولات الثقة للاستثمار في الأنظمة المؤتمتة وتحمي المواطنين العاديين من استغلال البيانات والتحيز الخوارزمي.

4. دعم الابتكار المحلي والشركات الناشئة

إن الاعتماد الكلي على البرمجيات المستوردة يخلق تبعية خطيرة. فالشركات الناشئة المحلية لدينا تفهم التحديات المغربية—سواء في الزراعة الذكية لمكافحة الجفاف، أو التكنولوجيا المالية الموجهة للفئات التي لا تمتلك حسابات بنكية، أو لوجستيات الرعاية الصحية—بشكل أفضل بكثير من أي شركة تكنولوجية أجنبية. ومن خلال تحسين الوصول إلى التمويل والحد من البيروقراطية، يمكننا تمكين رواد الأعمال المحليين من بناء حلول مصممة خصيصاً لمجتمعنا.

الجوهر الإنساني: التكنولوجيا كأداة لتحقيق التكافؤ

غالباً ما تثير الأتمتة القلق بشأن فقدان الوظائف. وفي بلد شاب وديناميكي مثل المغرب، تعد هذه المخاوف مشروعة. ومع ذلك، يثبت التاريخ أن التكنولوجيا تغير طبيعة العمل بدلاً من القضاء عليه ببساطة.

إن الهدف من إدخال الذكاء الاصطناعي والأدوات الرقمية إلى المغرب ليس استبدال الأيدي البشرية بالآلات. بل إن الهدف الحقيقي هو إزالة المهام المتكررة والمرهقة وغير الفعالة من روتيننا اليومي، مما يتيح لأفراد مجتمعنا التركيز على الإبداع، والتخطيط الاستراتيجي، وحل المشكلات.

من خلال إعداد مواطنينا بشكل استراتيجي، وترقية بنيتنا التحتية، ودعم المواهب المحلية، يمكننا تحويل التحول الرقمي القادم إلى محرك هائل للنمو. إن المستقبل رقمي، والمغرب يمتلك كل الإمكانات اللازمة لقيادة هذا المستقبل—شريطة أن نبنيه معاً، وألا نترك أحداً خلف الركب.